شفق نيوز- بغداد
على امتداد الأفق الغربي للعراق، حيث تتلاشى الطرق المعبدة وتذوب الحدود بين الأرض والسماء، تمتد واحدة من أكثر المناطق غموضاً وتعقيداً في البلاد، فالهضبة الصحراوية الغربية، التي تغطي نحو 168 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب 40% من مساحة العراق، ظلت لعقود تمثل تحدياً أمنياً وجغرافياً استثنائياً للدولة العراقية.
في هذه المساحات الممتدة من الأنبار إلى نينوى، مروراً ببادية كربلاء والنجف وصولاً إلى تخوم الحدود السعودية والسورية والأردنية، تتداخل الأودية العميقة والكهوف الطبيعية والفراغات السكانية الشاسعة، لتشكل بيئة مثالية لتحركات الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والأنشطة غير المشروعة.
وتبرز أسماء مثل وادي حوران ووادي الأبيض والنخيب ووادي حمير بوصفها نقاطاً طالما ارتبطت في الذاكرة الأمنية العراقية بملفات الإرهاب والتهريب، وأخيراً بالجدل الذي أثارته تقارير دولية تحدثت عن مواقع عسكرية سرية في عمق الصحراء الغربية خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة.
إرث أمني ثقيل
لم تكن الصحراء الغربية يوماً مجرد مساحة جغرافية مهملة، ففي عام 2017، وبينما كانت القوات العراقية تستعيد المدن الواحدة تلو الأخرى من قبضة تنظيم “داعش”، بقي وادي حوران في عمق الأنبار يمثل أحد أبرز معاقل التنظيم.
في ذلك الوقت، كانت القيادات العسكرية تؤكد أن عناصر التنظيم تستخدم الوديان والكهوف الممتدة بين الحدود العراقية والسورية والأردنية لتنفيذ هجمات خاطفة على الطرق الدولية ونقاط الجيش والعشائر.
وبعد إعلان النصر العسكري على “داعش” نهاية عام 2017، لم تختفِ المشكلة بالكامل، بل تغير شكلها، فبدلاً من السيطرة على المدن، اتجه التنظيم إلى ما يسميه خبراء الأمن بـ”الخلايا المرنة”، وهي مجموعات صغيرة تتحرك بخفة داخل الصحارى والوديان مستفيدة من الطبيعة الوعرة للمنطقة.
وفي السنوات اللاحقة، تحولت مواسم البحث عن الكمأ في الأنبار والنخيب إلى مؤشر واضح على استمرار التهديد الأمني، حيث سُجلت عدة عمليات خطف وقتل طالت مدنيين كانوا يجمعون الكمأ في مناطق صحراوية نائية، بينما كشفت تقارير أمنية عن لجوء عناصر “داعش” إلى احتجاز المخطوفين مقابل فديات مالية، في تحول لافت بأساليب التنظيم بعد خسارته مناطق سيطرته التقليدية.
وتكرر المشهد في آذار/مارس 2023 عندما قتل مسلحون من التنظيم مدنيين اثنين حرقاً واختطفوا ثلاثة آخرين في صحراء النخيب جنوب غرب الأنبار، في حادثة أعادت إلى الواجهة المخاوف من استمرار وجود مخابئ ومضافات للتنظيم في المناطق الصحراوية.
“عقدة الصحراء”
لكن التحديات الأمنية في الصحراء العراقية لم تعد مرتبطة بخلايا “داعش” فقط، ففي الأشهر الأخيرة، تصاعد الجدل داخل العراق بعد تقارير نشرتها وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية تحدثت عن استخدام مواقع عسكرية سرية داخل الصحراء الغربية العراقية خلال الحرب بين إسرائيل وإيران.
وبينما نفت بغداد وجود أي قواعد أو قوات أجنبية غير مصرح بها على الأراضي العراقية، دفعت تلك التقارير القوات الأمنية إلى تنفيذ واحدة من أوسع عمليات التمشيط والانتشار العسكري في عمق الصحراء.
وفي 18 أيار/مايو 2026، أطلقت القوات المسلحة العراقية عملية واسعة شملت صحارى الأنبار والنجف وكربلاء وغرب نينوى، بمشاركة قوات النخبة المحمولة جواً وطيران الجيش والقوة الجوية.
وقال مسؤولون عراقيون إن الهدف المعلن من العملية هو ملاحقة بقايا التنظيمات الإرهابية وتأمين المناطق المفتوحة ومنع أي خروقات أمنية محتملة.
غير أن مراقبين رأوا أن العملية حملت أيضاً رسائل سيادية واضحة، في ظل الجدل المتصاعد بشأن النشاطات العسكرية غير المعلنة داخل الصحراء الغربية.
التحول التكنولوجي الأمني
وفي مواجهة هذا التحدي، تقول وزارة الدفاع العراقية إنها غيّرت مقاربتها الأمنية تجاه الصحراء، حيث يؤكد مدير الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة، اللواء تحسين الخفاجي، أن اتساع رقعة الصحارى العراقية “خصوصاً في الأنبار ونينوى وباديتَي كربلاء والنجف وحتى باتجاه السماوة يجعلها مناطق صعبة جغرافياً وقد تكون مأوى لشبكات التهريب والإرهابيين”.
ويضيف الخفاجي لوكالة شفق نيوز، أن وزارة الدفاع أنشأت أفواجاً متخصصة بالقتال الصحراوي، تنتشر ضمن قيادات عمليات الجزيرة والأنبار وغرب نينوى وكربلاء، مدعومة بجهد استخباري واستطلاع جوي متواصل.
ويوضح أن المنظومتين الاستخباريتين العسكرية والأمنية، إلى جانب القوات الخاصة وطيران الجيش والقوات المحمولة جواً، تعمل بشكل متكامل لرصد أي تحركات مشبوهة، فضلاً عن نشر الكاميرات الحرارية ومنظومات المراقبة الحديثة التي “أعطت صورة شبه كاملة عن التواجد والتحركات داخل الصحراء”.
950 كاميرا
من جانبه، يقول عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، صكر المحمداوي، إن العراق عزز خلال السنوات الأخيرة منظومة المراقبة الحدودية بشكل غير مسبوق، مشيراً خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى نصب أكثر من 950 كاميرا حرارية وذكية على طول الحدود مع دول الجوار، مع تغطية تتجاوز 90% من المناطق الحدودية الحساسة وربطها بمراكز قيادة وسيطرة لمتابعة التحركات بشكل فوري.
ووفق المحمداوي، فإن العمليات الاستباقية لم تعد تقتصر على الحدود، بل امتدت إلى عمق الصحراء في الأنبار وغرب نينوى وبادية النجف وكربلاء والمثلث الصحراوي بين نينوى وصلاح الدين والأنبار.
ويؤكد أن هذه العمليات ركزت على تفتيش الوديان والكهوف والمضافات المهجورة وتدمير مخابئ الأسلحة وتعقب خطوط الإمداد والخلايا الإرهابية.
ويرى المحمداوي أن طبيعة التهديد تغيرت بصورة جوهرية، موضحاً أن الخطر الحالي “لم يعد يتمثل في سيطرة داعش على أرض أو مدينة، بل بخلايا صغيرة لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة عناصر تستغل الوديان والمناطق المفتوحة لتنفيذ نشاطها”.
الأمن والتنمية
من جانبه، يرى الخبير الأمني والاستراتيجي، علاء النشوع، أن المقاربة العسكرية وحدها لا تكفي، مبيناً لوكالة شفق نيوز، أن حماية الصحراء العراقية تتطلب منظومة متكاملة تشمل الانتشار العسكري، وتعزيز الجهد الاستخباري، والتنسيق مع دول الجوار، إضافة إلى إشراك السكان المحليين والبدو الرحل الذين يمتلكون معرفة دقيقة بالطرق والمسالك الصحراوية.
ويضيف النشوع، أن تحويل الصحراء إلى فضاء اقتصادي منتج عبر مشاريع زراعية وصناعية واستثمارية يمثل أحد الحلول طويلة الأمد لتقليص الفراغات الأمنية.
ويتفق معه الخبير الأمني، عدنان الكناني، الذي يشير خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن المناطق الصحراوية والحدودية كانت تاريخياً مسرحاً لتحركات الجماعات المسلحة، محذراً من أن استمرار الفراغ التنموي في هذه المناطق يبقيها عرضة للاستغلال من قبل جهات مختلفة.